حمل اغتالته الذئاب

طريق مظلم .. أشجار كثيفة أفرعها متعانقة حتى لايكاد ضوء الشمس يخترقها ملتوية كأنها الثعابين .. نباح الكلاب يرهب أذني .. عويل الذئاب يخترقني .. 
الطريق طويل لا ينتهي ولا أدري إن انتهى أين سأكون؟! 
حاولت الرجوع .. خطاي تتعثر .. قدماي تتخبطان .. والتفت الساق بالساق . 
لا أعرف إن أدرت وجهي وسرت هل أعود من حيث بدأت ؟ يبدو أنني لا أعرف من أين بدأت ! 
سأعود ؟! أم أنني لن أستطيع .. لا بأس من المحاولة .. مشيت عكس الإتجاه .. الطريق – يا ويلتي – لاينتهي في أي من الاتجاهين .. بدأ الرعب يتغلغل داخل كياني .. يتملكني .. ومازلت سائرا. 
يد خفية تدفعني بقوة لم تستطع معها إرادتي التي تخاذلت أن تقاوم تلك القوة التي تدفع ذهني الشارد .. وماأضعف الفرد إن شرد ذهنه! 
ظللت أسير بعد أن حال بيني وبين عينتي وعقلي ستارة معتمة .. لم تنفع معها الايات القليلة التي بدأت أرددها وأسناني تصطك .. فكاي يتحركان كأنهما نقعا في السقيع لفترة طويلة .. 
أتذكر الخالق وأنا وفي هذا الضيق ؟! أين كنت في الرخاء؟!! هكذا سمعت داخلي … 
لكن ثمة صوت اخر داخلي يعلو قائلا (مجيب المضطر) .. أخذت أدعوه .. 
هدأ بالي قليلا .. هدأ بالي قليلا .. 
خيل إلي للحظة أنني أحلم .. 
الوحدة قاتلة .. ظمآن .. أين أبحث عن ماء؟! 
بدأ عويل الذئاب يتصاعد .. ماذا أفعل؟! إني وحدي .. لا سيارة واحدة تمر بجواري فتضيء الطريق لحظات لتبدد جزءا من الخوف الذي غلفني من الخارج واحتواني من الأعماق .. 
كابوس مخيف من الحقيقة البشعة والواقع المؤلم .. الصورة نفسها تتكرر أمامي .. 
صوت أختي الطفلة وهي تجهش بالبكاء .. نظرتي في عينيها ومرآهما الذي تجاوز في العمر الستين..إنه الحزن المدقع الذي حكم علينا القدر به ولم نستطع منه الفرار .. وكيف نتكيف مع ذلك العذاب؟!! 
كابوس مرعب من الواقع القاسي الذي نحياه.. 
منظر أخي الكبير وهم يجرونه أمام أختي الطفلة وعلى مرأى من أبي الكهل وأمي المتهالكة.. حاول أخي أن يعترض..حاول أن يقاوم..فضربوه على رأسه وظهره..كرر اعتراضه وقاوم بقوة.. كان عنيفا معهم..مزقوه بلا رحمة أمام أعيننا.. 
بكت أمي..بكت وبكت..ثم تحول بكاءها إلى صراخ..صراخ أم ثكلى.. 
أختي الطفلة تمادى جسدها وسقطت على التراب منتحبة تنادي أخاها الكبير تتشبث ببقاياه تناجيه وترجوه ألا يموت..ثم تغيب عن الوعي من أثر البكاء.. 
ما أعجزني..ما أعجزني!! 
قيدني أبي الكهل بقوة ما توقعته يمتلكها..كنت أود أن أقتحم الذئاب وأقتلهم كما قتلوا أخي أمامنا وحرمونا بسمته..تعلل أبي بأن عظامي مازالت لينة.. 
ما ذنبها أمه التي تعبت وسهرت لأجله إلى أن صار شابا فتيا..بأي ذنب ترى تلك الفجيعة؟! 
إنها كفيلة أن تقتلها..انتهت أمي من بكائها ثم انتهت من الحياة قبل أن تجف الدموع.. 
وعندما استفاقت أختي الصغيرة وجدتنا صرنا ثلاثة من خمسة..نفدت دموع عينيها ولكن دموع القلب لا تنفد.. 

كانت اليد القوية التي تدفعني هي يد الحزن وأصابع الغضب وطيف اليأس الذي داعبني..عويل الذئاب يتصاعد..نباح الكلاب يعلو.. 
الآن .. والآن فقط بعد أن رأيت ذكريات الصبا تتجسد أمامي..أدركت وجهتي..تلك الوجهة التي اختزنتها داخلي منتظرا لأن تقوى عظامي..وها هي قد قويت..دفعتني يد الحزن أن أثأر.. أثأر لنا ..لن يراق دم أخي وأنا على قيد الحياة..لن يراق هذا الدم الطاهر و أظل أنا حيا آكل وأشرب أنام وأصحو.. لن يضيع هذا الدم الحر هباءا.. 
يعلو صوت داخلي يقول “ما بال الحمل بقطيع الذئاب؟!ما له بهم من قوة..” 
لكن دم أخي والروح التي خرجت من جسد أمي المتهالك..حزينة مفجوعة..بكاء قلب أختي الذي أحسه في نظراتها وأراه في تحركاتها الخاملة..أبي وقد ابيضت عيناه من الحزن وهو سقيم يتحسس خطاه ويتعثر ويسقط فيقوم ثم يسقط فتنكسر عظمة..ثم يسقط فتنكسر عظمة أخرى..إلى أن رقد في فراشه ينتظر الموت..ينتظره بلهفة..ينادي على زوجته..ينادي على فلذة كبده..ثم يبكي بأعين مغلقة مبشرا بقرب اللقاء.. 
تالله لأقتلن الذئاب..تالله لأقتلنهم و إن كلفني ذلك عمري..لن أدعهم يهنئون..لن أدعهم يمرحون..لأذيقنهم بعض ما أذاقوه لي..يد الله فوق أيديهم..وليستفيق باقي الحملان.. 
ها هو كبيرهم يخرج لي من مكمنه ثم يطلق عويله معلنا عن وجودي..معلنا عن وجود الفريسة..داعيا إياهم أن يأتوا ليلتهموا تلك الفريسة السهلة الساذجة التي جاءتهم راضية بمفردها.. 
ولأول مرة تنقض الفريسة..نعم انقضت الفريسة .. انقضت على المفترس!! 
ياللمهزلة..انسحب الذئب القائد إلى الخلف أمام عنف الانقضاضة .. وعندما رأى القطيع ما فعله قائدهم تراجعوا مثله.. 
اعترفوا لأنفسهم أنهم جبناء..جبناء.. 
عندما تبينوا مفارقة العدد غير المنصفة بالمرة..عاودتهم الجرأة المتوهمة..فخرجوا من مخابئهم ثانيا وتركوا جذوع الأشجار ووقفوا متحفزين في تشكيل شرس..عرف الحمل داخله أنها النهاية وتيقن أنه لن يسعفه الوقت ولن يكفيه باقي العمر ليرسل إلى عشيرته.. ليس لينقذوه ولكن ليخبرهم أن هؤلاء القوم جبناء .. وأنهم إن اتحدوا لن تسطع الذئاب الجبانة المرتعدة أن تقف في مواجهتهم.. 
وضاقت دائرة الحصار عليه..تذكر أخيه وأمه وأبيه وصاحبته التي لم تأت..رأى عينتي أخته الطفله وقد جف ماؤهما..أحشاء أخيه التي أخرجها ذلك الجبان الواقف أمامه في المقدمة.. نفس العيون القاسية..نفس الملامح القبيحة..لكن أنيابه فقط تغيرت..فقد زادت اصفرارا..وللمرة الثانية تتلاقى العيون القاسية.. 
عين الحمل ذات القسوة الحزينة الغاضبة..وعين الذئب ذات القسوة الغادرة الظالمة.. 
وانقض الحمل..ثم انقض الذئب..كانت انقضاضة الحمل مرتوية بنيران الذكرى التي ألهبت لواعج نفسه بجحيم الألم الذي عاشه..فكانت انقضاضة من القوة جعلته يقبض بأسنانه على عنق الذئب الذي علا عويله المختنق وأخذت دماؤه تتساقط..والذئاب من حولهما يراقبون الموقف مشدوهين شلت عقولهم كما شلت أياديهم.. ثم .. ثم انقضوا على الحمل في محاولة يائسة لإنقاذ قائدهم الذي خارت قواه واستكانت حركته.. تمدد الذئب وقد صعدت روحه الخبيثة..صعدت إلى جحيم مقيم..تمدد جسده العفن بجوار الحمل الراقد وقد تمزق جسده وتبعثرت أحشاؤه..وأخذت الذئاب الدنيئة تلتهمها في انتقام..ولكن كانت هناك ابتسامة ارتياح تعلو قسمات وجهه وكأنما تقول روحه الطاهرة..ها أنا قد وفيت بقسمي..وقبل أن يخبو بريق عينيه لمح غبارا متصاعدا يأتي من بعيد مصحوبا بأصوات هادرة كأنها الأعاصير..ثم خبا كل شيء وهدأ كل شيء ليعود أكثر وضوحا..وصعدت روحه العطرة إلى السماء لتشاهد المنظر بنقاء..وكأنما كل الحملان على قلب واحد يطردون الذئاب التي اختبأت خلف الجدر المحصنة والأشجار..فلفظتهم الجدر مشمئزة من روائحهم..وكأن أفرع الأشجار تلتف فتنغرس في حلوقهم..فجروا عنها مبتعدين لتدهسهم أقدام عشيرتي.. 
من تاريخ حمل اغتالت أسرته الذئاب..من تاريخ الحمل الشهيد.. 

8/10/2004 

See it on facebook .

Advertisements
حمل اغتالته الذئاب

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s