ليس هنا


**1**

تمناها من كل كل قلبه..سمع كثير أنها النجاة بعينها..فطلبها من خالقه..نظر إلى أصغر أبنائه ثم قبله بعينيه..قبلة طويلة جدا..دمعت عيناه فيها..تذكر أمنيته..وانهمرت الدموع..جرت إليه زوجته فاحتضنته..التف حوله أولاده..عداه..هذا الطفل الصغير الذكي..أدار ظهره بعيدا وبكى..فذهب إليه..تحدث معه..وسأله..يابني..كنت تخبرني بصدق أحاسيسي..وبكذبها..فهل لي أن أسألك الآن أصادقة هي أم كاذبة؟! لا تصمت هكذا يا ولدي..أجبني يا حبيبي..
وطال الصمت وطال الانتظار..وتعالت النداءات خارج الغرفة المغلقة تحذر من عدم اللحاق بالسيارةالمتجهة إلى الميناء..

 

فسأل الرجل ولده للمرة الأخيرة..أصادقة أم كاذبة؟؟
فأشاح الولد بوجهه بعيدا يخفي دموعا كثيرة..إلتف الأب إليه فرأى دموعه المنهمرة ورأى ارتعاشات صدره..وعلا صوت البكاء..
صادقة هي أحاسيسي إذن!! شكرا لك يا ربي..شكرا يا رب العالمين..
ثم قام الطفل الباكي فاحتضن أبيه بشده شعر فيها الأب بأنه الطرف الأضعف من قوة التفاف ذراعي الصغير حوله..وكأنه عناق الوداع..

أخذ يتفقد كل شيء في منزله.. أخذ ينظر إلى كل أفراد أسرته..ابتسامات أخيرة..دموع أخيرة..
حاول مليء عينيه بملامح زوجته الحبيبة..حاول توديعهم بقلبه..حاول فض مشاعره كثيرا وفشل..حاول إيقاف الزمن وفشل..لقد أخبره ولده بصدق إحساسه عندما بكى..فصار يعرف أنها آخر لحظاته معهم..فشل في مليء عينيه بهم كما فشل في مليء كيانه..قصيرة هي الدنيا..
حمل حقيبته وانطلق..لم يلتفت وراءه..لحق السفينة في اللحظة الأخيرة ..وانطلقت من مرساها.. وصل أرض الحجاز..الأرض التي اشتاق إليها كثيرا..فرح لتمكنه من أداء فريضة الحج..وفرح أكثر باقتراب تحقق الأمنية التي طالما تمناها و أحس بها تدنو..
أدى مناسكه..ولما انتهت ونزل الجبل..تعجب كثيرا..وتعجب أكثر عندما وجد نفسه على متن العبارة عائدا إلى بلده وبيته وأسرته..فرح وحزن..لم يشتر أي هدية لأي أحد..فقد كان يقينه أنه لن يعود..كان قد وثق في تحقق أمنيته..يقابل ربه هناك بجوار بيته..في أرضه الطاهرة..ولكنه مازال يتنفس..عائد إلى بيته..فيم كانت دموع ولده ونحيبه إذن؟؟
استقبلوه بأحضان حارة وتمنيات بحج مبرور وذنب مغفور..اعتذر لهم عن فقدان حقيبة الهدايا مع ارتباكه في النزول..ها هو ذا يلوث صحيفته من جديد..كانت أول خطيئة بعد العودة..كذب..كلهم فرحين بعودته..لكن ليس الصغير..لم تظهر عليه السعادة..وإن ابتسم..
نزل بمنتهى النشاط في اليوم التالي..أحس بجسده خفيفا على الأرض عن ذي قبل..الذنوب تثقل الجسد..تذكر أمنيته..عقد العزم على زيارة بيت الله في أقرب وقت..
اشترى العديد من الهدايا لأسرته..ثم عاد إلى البيت..كلهم فرحين..يتسامرون يتضاحكون..لكن الصغير يصر على حزنه..يصر على صمته..
لقاء آخر بين الأب وولده في غرفة مغلقة..لقاء من الصمت..بعض الدموع..أذان العشاء..الصلاة..ذهب الأب إلى سريره..مازال يملؤه إرهاق السفر..

رآهم يقتربون باسمين..يرتدون ملابسا بيضاء تكاد تضيء..صرخ فزعا..لااااااااااااااااا
ليس هنــــــــــــــــــــــا..فطمأنوه ألا يخاف ولا يحزن..
ذهب الجميع إليه..يقتربون أكثر..يردد الشهادة..يقول أشياءا غير مفهومة..ينظر إليهم بأعين زائغة..أخذ يردد كلمتين بعينهم..لا أحد يفهم ما يقول..اقترب صغيره..بكى على وجه أبيه وقال له..لا تحزن يا ابي..فإن كانت خابت امنيتك وحدث الموت هنا..فالنعيم ليس هنــــــــــــــا!!!
محمد علي 5-8-2010
***

 

**2**

– سيدتي..لدي بعض الأخبار السيئة..
– تفضل يا دكتور .. لقد اعتدتها طيلة حياتي..
– هذا الجنين يجب التخلص منه..
نزل الخبر كالصاعقة على هذه الأم..لم تستطع الكلام..فتابع الطبيب..
– توجد خطورة كبيرة على حياتك..لابد من الإجهاض..
– أهو حي بداخلي؟؟
– نعم وبحالة جيدة..الخطورة عليك أنت..
ارتسمت علامات الغضب على وجه المرأة وسألته مستنكرة..
– أنقتله من أجل خطورة محتملة؟؟
صمت الطبيب فتابعت..
– أنا لن أقتل ابني..ولن أزورك مرة أخرى!!
وانسحبت في هدوء..تعجبت لأمر الطبيب الذي أراد قتل طفلها الأول..طفلها الذي انتظرته أكثر من عشر سنوات..وظنته لن يأتي..لكن أمر الله أقوى..
عادت إلى المنزل وتحدثت إلى زوجها الذي قام من مجلسه غاضبا عندما أخبرته..نزل معها لزيارة طبيب آخر شهير..وكان له نفس رأي الطبيب الأول..الخطورة كبييرة على حياة الأم..
إن أصرت على موقفها..فلن يقوم أي طبيب على الأرض بتوليدها إلا إذا كتبت إقرارا بخط يدها ووقعته بأنها المسئولة الأولى والأخيرة إن أصابها مكروه..
لم تفلح جهود الزوج والعائلة في أن تثنيها عن رغبتها..أن تثنيها عن حلمها..أن ترى طفلها حتى لو دقائق معدودة..
فكر الزوج وكل الأقارب في تخديرها..وإجراء الإجهاض بدون إرادتها..لكن الزوج خشى أن يخسر قلب زوجته..فنسى الفكرة بعد أن كان قد ابتاع زجاجة المخدر..خسارة القلوب أشد تعذيبا من خسارة الأجساد..
ومرت الأيام..وكان الجميع يحسبون ما بقي من الزمن على فراقها..واستقبال ابنها..ووضعت الأم طفلها بعد ولادة مؤلمة..ونظرت إليه برحمة من أوشك على الرحيل..ولكم تمنت أن تستمتع بدفئه قليلا..وخيب الله ظن الطبيبين..وسيطر النبأ السار على الجميع..وفرحت الأم الطيبة كثيرا..ولم تحزن عندما أخبرها الطبيب بضرورة استئصال الرحم في أقرب وقت..في الحقيقة لم تكترث..
وبدأ الإلحاح من جديد..فبدأت الإصرار من جديد..جراحة تعني رضاعة غير طبيعية..وتخشى أن يصبح جهاز مناعة طفلها ضعيفا..ستتحمل عواقب مرضها..لكن ليس طفلها..ومرت فترة الرضاعة بسلام..وللمرة الثانية تحدت إرادة الله إرادة الأطباء..
وبدأ الأهل من جديد يصرون على إجراء الجراحة..ولم يعد هناك ما يمنع السيدة العظيمة من الموافقة على رغبة الطب..إلا شيء واحد لمع في عقلها فجأة..وهو أنها تريد طفلها الصغير الباسم أختا أو أخا يكون له سندا و أنسا في حياة موحشة..فيها الأخ يعني الكثير..لم تعلم أنه لا يعني شيئا أحيانا..وأحيانا أخرى يكون مؤذيا..لكن بفطرتها الطبيعية أصرت على منحه أخا..وتضرعت وابتهلت..وأرسلت دعواتها الحارة ممتزجة بدموع الرجاء إلى ربها..ربها الذي لم يخذلها أبدا..حاولت ..و حاولت..وكادت أن تموت..ولم تكف عن المحاولة..كرهت أن يكون طفلها وحيدا..لكن لم تستطع..
مات زوجها..وتولى ولدهما الوحيد رعاية أمه معتمدا على الممتلكات القيمة التي تركها والده الراحل..أحست بالولد يتغير..ولم يتغير حبها له..أو جنونها به..سامحته على عصبيته معها..سامحته على وقاحته معها بعض الأحيان..غفرت له صفعاته على وجهها..تقدمت في العمر..وزادت حاجتها له..
كانت تبتسم عندما تراه يعامل زوجته وابناءه بحنان..ولا تتأذى من عنفه معها..مع أمه..سبب وجوده..
عندما احتاجت جراحة حرجة..كان هو الأصل فيها..كان هو السبب فيها..اصطحبها ببطء وهدوء إلى أحد المستشفيات الحكومية..وعندما أعدوها لإجرائها..نظرت إليه بتوسل وقالت بعينها..أرجوك ليس هنا..
وكما عودها ربها..قامت من جراحتها معافاة..وعادت إلى المنزل فلم تجد غرفتها..وجدت مكان سريرها مكتب جميل عليه حاسوب جديد ومكتبة تحوي ملفات ..و..و..وهنا بكت الأم بانكسار ثم تمالكت نفسها وصمدت..واصطحبها الابن في حنان مصطنع إلى سيارته..حسبته يتنزه معها قليلا..سامحته على انتظار موتها..وإعداد العدة له..ولما توقفت السيارة..نظرت فوجدت لافتة كبيرة مضيئة تقول..دار الحنان لرعاية كبار السن..معنا أنت في جنة..
اعتصر الألم كيانها..ونظرت إليه والدموع تتساقط..ومر أمامها شريط تضحياتها..وتذكرت عندما حارب الجميع ليقتلوه من أجلها..وتمنت أن لو فعلت..ثم لامت نفسها كثيرا..وسامحته.. ثم قالت إن أردت التخلص مني فضعني في قبري الآن..ولكن ليس هنـــــا!!!!!
8-8-2010

***

 

 

**3**

أضواء خافتة جدا..أشجار كثيفة متقاربة..رصيف عريض..مقاعد شبه مريحة..سور غير مرتفع..بجوار النهر..تقريبا لا أحد يمر بعد التاسعة..شارع شبه منعزل..جعله مكانا مثاليا لتبادل الأحضان والقبلات..
أدمن تلك العادة السيئة..أحضر منظارا رخيصا مقلدا أصدقائه..لطالما أحس أنه تابع لأحد..ووقف على الناحية الأخرى من النهر متخفيا خلف جذع عريض لشجرة عتيقة..أخرج منظاره..وجلس ينتظر..وجاء ولد وبنت..
فرح من قلبه..ثم جاء ولدان وبنتان.. فتفرقا سريعا..وكل اثنين تحت شجرة..
أخذ يتنقل بمنظاره بينهم جميعا..للأسف الرؤية شبه منعدمة..حاول تغيير مكانه..لم تفلح المحاولات..
انتظر أكثر..ولكن..لا شيء اليوم..فليرجع مسرعا إلى سكنه إذن..شقة مفروشة تؤجر للطلبة..في حي سكني متوسط..أحس بهدوء معتاد في الشقة..عرف على الفور أنها سهرة ممتعة في العمارة المقابلة..وبسرعة أخرج منظاره الذي لم يخدمه منذ نصف ساعة..وحجز مكانه بين أصدقائه الطلبة..هذا الجار ذو الرأس المربعة..إن لم يأت بأنثى لتشاركه ليلته..يأت بفيلم يسهر أمامه ويعيده مرتين أو ثلاثة حتى ينام..لهذا كان لكل طالب منظار..
مرت أيام السنة الأولى بطيئة..بين شارع منعزل شبه مظلم..وجار يقضي ليلته بطريقتين لا ثالث لهما..
وانتقل من هذه الشقة في سنين دراسته التالية..ولم يتبق له غير هذا الشارع الذي أطلقوا عليه إسم..رايب..

ما زال يحس داخله أنه تابع..يسير حيث يأخذه التيار..إلى أن قابلها..أعطته إحساسا بأنه محور كل شيء..وأن كل شيء يتبعه هو ولا أحد غيره..واخذ يروي بذور شخصيته معها..نظرة واحدة في عينيها تمنحه إحساسا سحريا بالقوة..كانت تهيم به..
ابتسمت الحياة..ولكن كان يؤرقه شيئان..أن أحد زملاء صفها يهتم بها كثيرا..أما الشيء الثاني.. أنه في سنته النهائية وهي مازالت في سنتها الأولى..كيف سيفارقها..كيف سيحتمل ألا يقضي معها اليوم بأكمله؟ كيف سيحتمل ألا يذهب معها إلى شجرتهم المفضلة في شارعهم المفضل..رايب؟؟
وانتهت السنة وعاد إلى مدينته..ولم ينته حبهما..كان دائم السفر..حتى يراها..لم تعد لهفتها كذي قبل..
كان يأخذ منظاره معه كل مرة..ويذهب لمشاهدة العشاق..كان يحب أن يشاهد من يعبثون بجوار شجرته..يعتبرها شجرته..خط عليها اسمه واسمها بلغة لا يفهمها بشر..حاول لقاء حبيبته عند الشجرة مرات عديدة..وفي كل مرة..عذر جديد..فكان يذهب بمفرده ويخرج منظاره و يشاهد ويتذكر..
لفت انتباهه شيء مريع عند شجرته..عاشقان..يتبادلان القبلات بشراهة المحروم..العاشقة لها هيئة حبيبته..والعاشق ليس غريبا عنه..
مسح عينيه في ذهول ثم دقق النظر..غير زاوية الرؤيا..
هذا أحد زملاء صفها الدراسي..تمنى لو مرت سيارة تائهة فأضاءت ليتأكد..أخرج هاتفه..اتصل بزميلها..كان قد أخذ رقمه بدافع كاذب لصداقة محتملة..فرد عليه بود أحس فيه بنغمة شماتة وانتصار..اطمأن عليه ووضع الهاتف بجواره دون أن يغلق الخط..فقد كان مشغولا بأشياء أخرى..
سمعها تقول الآن.. ورآها ترفع تنورتها وتمسكها بفمها ..
جذبته ناحيتها بعنف..وضعت يدها في منتصف جسده..وتأخرت قليلا..ثم رفعها إلى السور بحيث يتمكن منها..
لم يعرف كيف جرى وعبر الكوبري إلى الضفة الأخرى ونزل سلمه قفزا وكان أمامهم قبل أن ينفض خاتم العفة..
لم يشعرا به إلا عندما ابتسم في مرارة قائلا..ليس هنا!!!
10-8-2010
***

 

 

**4**

رآهم يرتدون ملابسا سوداء..يبكون وترتج صدورهم..لكن هذه المرأة التي ألصقت جسدها بالجدار كانت تبكي بطريقة مختلفة..صنعت تحتها بركة من الدموع..تبكي بلا انقطاع وكأنها تريد الموت..تتحرك ضلوعها بقوة البكاء..بقسوة الحزن.. عينان متورمتان..شفتاها ملتصقتان..ثم تنفرجان لتطلق صرخة تشق السماء ضاق بها صدرها..تتقاطع الصرخة مع صوت الرعد..وتصنع خطا أبيضا مضيئا متعرجا على امتداد السحب..ولما لم ينقطع بكاءها..بكت معها السماء..واستمر الجميع في البكاء..
ظل ينظر ويستمع للجميع في صمت رهيب..لم يعجبه الغطاء الذي يدثروه به..لكنه لم يفتح فمه..
أضاؤا مصباح غرفته..لا يحب الاضاءة أثناء النوم..لكنه لم يعترض..دخل رجل لم يره من قبل..شمر عن ذراعيه ثم كشف غطاءه..وفعل شيئا غريبا..بدأ يجرده من ملابسه ..القطعة تلو الأخرى بلا حياء..إلى أن أصبح شبه عاريا..
وجاءت السيدة الباكية بإناء فيه ماء..ومازالت الدموع تتساقط من عينيها..وبدؤا يحملوه ليضعوه على لوح من الخشب..أغلب الظن حتى لا يبلل السرير..
أصابه الماء البارد بقشعريرة..كيف يفعلون به ذلك..وكيف يحمموه دون إذنه..وإن فعلوا..كيف لزوجته أن تسمح لشخص غريب أن يفعل..وكيف لها أن تساعده..
شعر بحنق شديد يقف في حلقه ويضيق به صدره..زوجته تعلم جيدا أنه يكره الماء البارد في الشتاء.. مالها أمست لا تهتم بشيء مما يحبه أو يكرهه..الواضح أنها لا ترى شيئا مطلقا من كثرة الدموع..
وبعد أن أتم غسله الذي كان كريها للغاية..اختلف الوضع كثيرا..فلم يلبسوه شيئا يألفه..كان رداءا أبيضا من قطعة واحدة..ليس به نقش واحد أو جيب واحد..تسائل داخله أين سيضع هاتفه النقال..أين سيضع حافظة نقوده ومفاتيح سياراته وفيلاته وشركاته..
تعجب لاستسلامه الغريب ولجسمه الذي ارتخى وانصاع لتحركاتهم هم.. وليس لإرادته وليس لرغباته..
وبدأ نحيبهم يعلو..وارتفع صوت بكاء السيدة وصراخها عندما حملوه فوضعوه في صندوق خشبي حجب الرؤيا عنه مؤقتا..كان آخر شيء رآه في منزله هو طفله الصغير الذي أحبه كثيرا لنقاءه و صدق أحاسيسه ..رآه وهو ابن الخامسة وكأنه رجل كهل قسم ظهره حزن الفراق..وبدأ يتذكر أشياءا كثيرة..عندما كان ….آآآآآآآآآآآآآآآه..صرخة أطلقتها السيدة وهم يحملوه منطلقين بعيدا..صرخة أخذته من أفكاره وذكرياته..
نظر خلفه فإذا هو موكب مهيب تسير الناس فيه على أقدامها..بين حزين وشامت..بين باك وصامت..بين موجوع و مسرور ينتظر مالا وإرثا..تعجب أنه رأى سرائرهم..رأى وسمع ما يفكرون به..كأن أجسادهم شفافة لدواخلهم..أراد أن يقول للسيدة الباكية كفي عن البكاء فقد علمت ما بداخلك..رأى شكل الحزن الحقيقي..قبيح جدا..وأقبح منه الحقد..وأقبح من كل شيء الشماتة..كيف لم يكن بصره بهذه القوة من قبل..استمتع كثيرا بهذا الموكب وقدرته على رؤية أشياء لم يكن ليراها..وعندما اقتربوا به من مكان بعيد غير مضيء..أشعلوا مصابيحا يدوية ليروا طريقهم..أراد ان يصنع لهم مفاجأة..قرر أن يفضحهم أمام أنفسهم ويخبر الجميع ما يدور في أعماقهم..أراد أن يستغل ميزة أعطاها الله له..أراد أن يحذر جميع الموجودين من شرورهم..وقرر أن يقوم من نومته فيجلس في صندوقه وعلى ضوء المصابيح بين القبور..يقول احترسوا من هؤلاء..و..و..واكتشف أنه عاجز عن الحراك..اكتشف أنه لا يملك غير لغة واحدة..لغة الصمت..اللغة الوحيدة المفهومة بين الأموات..سمع اصوات أناس يصرخون ويتألمون تتقاطع معها أصوات أناس يضحكون ويمرحون..كلهم في التراب..وانكشفت أمامه الحجب..وارتفعت الستر..فأمسى كل شيء واضحا للغاية..
رأى الرجل يحفر في الأرض..صمت رهيب..أنفاس خائفة..الأمطار ترتطم بالأرض فتصدر صوتا مبهما..رحلة طويلة بدأت من السماء وانتهت إلى الأرض..قطرة ماء ولدت في السماء وانتهت على الأرض..
أذرع قوية تعتصره وتنزل به..رائحة التراب تملؤه..برودة الجو و ظلمة الليل ترعبه..دموع الأقارب والأحباب لا تجدي شيئا..سكتت الضحكات والصرخات في مجتمع الأموات.. يبدو أنه صمت مقصود..صمت معهود..إنهم يرحبون بنزيل جديد يؤنسهم..يسامرهم..يتألم معهم..أو يضحك لهم..سيتضح كل شيء بعد قليل..
لم يلق عليهم أي تحية..كان يستكشف مكانه الضيق الجديد..يملك من الأرض على مد البصر..ثم ينتهي هنا في هذا المكان الضيق المظلم وحيدا دون نافذة..
تزايد البرق وعلا الرعد فتثاقل المطر..وأصبح الارتطام عنيفا..كذلك قلبه وهو يرتطم بأضلعه..وكان هناك قلبا صغيرا بالخارج يتمزق ويصرخ..طفله ذو الخمسة أعوام..كان باكيا في صمت..حزينا في شموخ..عنده قوة احتمال فاقت رجالا كبارا..
انفض كل شيء فجأة وبقت أسرته لتضع بعض الزهور على القبر قبل الرحيل..وهاهو الرجل يهم بإغلاقه..فإذا بالصغير يندفع ليفتح قبر أبيه صارخا بأعلى صوته..ضعوني معه..ضعوني مع أبي..
فبكى في قبره..وعلا صوت بكائه..فبكى معه الموتى..ولما أصر الطفل صارخا بأعلى صوته بلا توقف..صرخ أبوه بأعلى صمته..لاااااااااااااا يا ولدي..لاااااااااااااا..لن يضعوك معي..لن يضعوك هنا..ليس هنا..
محمد علي
19-8-2010
***

 

 

**5**

صيحة شديدة قارعة أقامته واقفا..
لم يتخيل يوما أن تقترب منه هكذا..
أحس بحرها يمزق رأسه ويذيبها..حاول أن يتجاسر وينظر إليها..فوأدت شدة الضوء فكرته..وعمت بصره..فلم يكررها..
حر لا يتحمله بشر..ولنه يتحمله ولا يكاد يطيقه..
العطش يفتك بأوصاله..الخوف يدق عروقه..
لم يكف جلده عن العرق..أحس بقدميه والعرق يغطيهما..ويعلو..
أحس بنقطة من عرقه معلقة على جبهته فأراد أن يزيلها ..يحس بملوحة عرقه..يريد أن يحك جلده..
أبت يده أن تطيعه..وجدها مكبلة دون أصفاد..
حدث نفسه بصوت غير مسموع..سائلا يده..لماذا ترفض رغبته؟؟ فتحدثت إليه قائلة:أنت لم تعد تملكني..أنا رجعت إلى من خلقني..
عرف أنه يوم القيامة..يوم الحساب..و..و..ارتعد..
أخذ يرتجف بلا انقطاع..و مرت أمامه حياته..
تذكر أشياءا ندم عليها كثيرا في حياته وكان يخشى بسببها هذا اليوم..تمناه بعيدا..تمنى ألا يأتي..ولكنه أتى في النهاية..

تذكر أنه ذهب لأداء فريضة الحج بنية صادقة..يحمل رغبة جامحة في أن يقابل ربه هناك وقد قبل توبته..تمنى أن يدفن في أرض تتشرف بوجود جسد الرسول الكريم فيها..
تذكر أن أمنيته لم تتحقق..
وماذا تفعل أمنية في مواجهة ما فعله بأمه التي ذاقت من العذاب ألوانا معها..أمه التي ذاقت الموت ولم تهابه حتى يأتي هو للحياة..

مر بخاطره يوم أن أخذ شيئا ليس من حقه من فتاة ساذجة صدقت كلامه المعسول..تذكر أنه فعل ذلك نكاية بحبيبها الأول..تذكر وجهها الشاحب..وقلبها الذليل وهي ترجوه أن يتزوجها..تذكر يومها أنها ركعت تقبل قدمه..تذكر كيف كان صلبا..كيف كان حقيرا معها..أخبرها أن تعود إلى حبيبها الأول..لأنه لم يحبها ولكنه أحب جسدها..وهذا الجسد رخيص..لم يعد يريده..

تذكر كيف صنع شركاته..وقصوره..وأرصدته..
تذكر أشياءا كثيرة .. ود لو أنه عاد ليصلحها..

تصاعد عرقه إلى أن وصل أنفه..وأحس أنها النهاية..
الشمس من فوقه تذيب جسده..وعرقه يغلي دون أن يتبخر..ويأخذ أنفاسه بصعوبة..ثواني معدودة ويصبح تنفسه مستحيل..
الآن يغرق في عرقه..فيحاول الخروج..فتثنيه نار الشمس..فيرجع..يحس الموت ولا يموت..لا يدري إلى متى سينتظر الموت..
ناداه..أجمل صوت سمعته أذناه..صوت جميل عادل..ليس كصوت البشر..حاول رؤية المنادي..فلم يستطع..

وتوالت الأسئلة..إجاباته كانت مرتعدة خائفة..خائبة..
أمواله..اكتسبها بالغش والخداع..طمعه كان يحركه..
أمه..لم يتركها في دار المسنين..وانما أخذها معه باكية القلب تشعر أنها عبئا على الحياة بأكملها..تنتظر الموت وتتمناه..رحلت بعد اسبوع من موقفه الحقير..ندم وبكى كثيرا..وأدرك كم هي عظيمة خسارته..كم هي حقيرة نذالته..

غريزته..ما أطاعها غير مرة واحدة..اختفت الشهامة منها..دمر بها حياة انسانة..انعزلت وذبلت وأصابتها أمراض كثيرة..وانطوت..واختفت لم يعد يعلم عنها شيئا..
فريضة الحج..أراد أن يغسل بها كل خطاياه..ويموت قبل أن يذنب ذنبا واحدا بعدها..

واقتادته زبانية الجحيم إلى هناك..وأخذ يقترب..أكثر فأكثر..
كان ينظر وراءه باحثا عن الصوت الجميل اللذي حدثه وحاسبه..فلا يرى شيئا..
ثم ألقى نظرة أخيرة خلفه وهو على بعد خطوة واحدة من مصير مؤلم..فناداه الصوت الجميل قائلا..

تنظر وراءك تنتظر رحمتي..هل ظلمتك؟!

لا يا رب لم تظلمني ولكني ظلمت نفسي..

هذا جزاء الظالمين..

ما كان ظني بك هكذا يا رب..رحمتك وسعت كل شيء..وسعت غضبك وعدلك..
أستحلفك بك..أن ترحمني..أنا العبد البائس الفقير..
ظننت بك خيرا..وندمت على ما فعلت..ندمت كثيرا..
أسترحمك ربي ألا تلقيني هنا.. أرجوك ربي ..ليس هنا..

تمت

محمد علي خلف
6-04-2011

Advertisements
ليس هنا

2 thoughts on “ليس هنا

  1. من اروع القصص اللی قرأتها …احداث مشوقة ومتنوعة … نهاية غير متوقعه بالنسبة لی …اتمنی انك تكمل رغم انشغالاتك …بتمنی ليك مستقبل مشرق …ربنا يوفقك فكل خطوة فحياتك 💖

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s